مكانة المرأة فى الإسلام بقلم د. كمال الرخــــاوى
مكانة المرأة فى الإسلام
بقلم د. كمال الرخــــاوى
المحامى بالنقض و الدستورية العليا
والأمين العام لحزب حراس الثورة بالغربية
بقلم د. كمال الرخــــاوى
المحامى بالنقض و الدستورية العليا
والأمين العام لحزب حراس الثورة بالغربية
فى البدايه أحب أن أوضح انه سبق كتاب « المرأة فى القرآن » ، الصادر سنة 1959 ، كتابات متعددة للعقاد دارت حول المرأة فى الفكر والحياة ، وفى الفلسفة والمجتمعات ، بدا بعضها فى خلاصة اليومية (1911) ، وفى الإنسان الثانى . أو المرأة (1912) ، وفى الشذور الذى أضيف إلى خلاصة اليومية (1915) ، وما جاء بها من إشادة بقاسم أمين الواجب على حواء أن تزجى إليه الشكر والعرفان ، لأنه أعتق المرأة المصرية وأطلقها من سجنها ، وانه لا يزال الفخر فى تحرير المرأة لقاسم أمين الذى اقتفى أثرة من من نهضوا بعده .
وكتب عنها فى « مجمع الأحياء » (1916) الذى أفرد فيه مساحة للمرأة لتتحدث فى مناظرة مع الرجل عن قضية علاقات الأزواج بالزوجات وحقوق الإناث . وكتب عنها فى مقالات شتى نشرت فى مجموعات « الفصول » (1922) ، و« مطالعات فى الكتب والحياة » (1924) ، و« مراجعات فى الأداب والفنون » (1926) ، ولم تخل مجموعة من هذه المجموعات من حديث عن المرأة فى جانب من جوانبها أو قضية من قضاياها ، وما كتبه فى مجموعة « المطالعات » عن رأيه ورأى المعرى فى المرأة ( المجلد /1 مدينة العقاد ( ص325 ـ 330) ) ، وكتب عنها العديد من المقالات فى المجلدات الأربعة لليوميات .
وأصدر سنة 1945 كتابة « هذه الشجرة » وتضمن دراسة شامله عن المرأة ، وقد أعيد طبعة عدة مرات ، وأعيد نشره سنة 1968 مع « الإنسان الثانى » ـ بعنوان « هذه الشجرة الإنسان الثانى » ، وكتب فصًلا فى « الفلسفة القرآنية » (1947) عن موقف القرآن الكريم من المرأة ، كما كتب عن « المرأة فى الإسلام » بكتاب « عبقرية محمد » (1940) ،
ونحن نعرف بالإضافة إلى هذه الكتابات التى ترجمت عن اهتمامه بالمرأة ، بعض تجاربه الشخصية معها لم تكن موفقه ، أو تركت لديه ندوبًا كقصته التى طلب من الفنان صلاح طاهر أن يصورها فى لوحة وضعها وراء مخدعه « التورتة » قد تكاثرت عليها حشرات , لتذكره دومًا بأن مثل هذا لا يُبكى عليه .
وقد يحمل هذا على الاعتقاد بأن هذا لابد قد أَثَّر على موقفه من حواء , فهذا رد فعل إنسانى طبيعى .
تدور مسالة المرأه فى جميع العصور على جوانب ثلاثة تنطوي فيها جميع المسائل الفرعية التي تعرض لها فى حياتها الخاصة او حياتها الاجتماعية ٠
وهذه الجوانب الثلاثة الكبرى هى :
1.صفتها الطبيعية ، وتشمل الكلام على قدرتها وكفايتها لخدمة نوعها وقومها .
2.حقوقها وواجباتها فى الأسرها والمجتمع .
3.العاملات التى تقرضها لها الآداب والأخلاق ومعظمها في شئون العرف والسلوك .
وقد بحثنا هذه المسائل جميعا فى رسائل مختلفة ولكننا نتناولها في هذه الرسالة لبيان موضعها من أحكام للقرآن الكبرى وخلاصة ذلك البيان فى هذه المقدمة الوجيزة أن ايات الكتاب قد
فصلت القول فى هذه الجوانب جميعا ، وكانت فى كل جانب منها فصل الخطاب الذي لا معقب عليه الا من قبيل الشرح والاستدلال بالشواهد المتكررة التي تتجدد فى كل زمن على حسب احواله ومدارك أبنائها.
أما المعاملة التي حمدها القران وندب لها المؤمنين والمؤمنات ، فهي المعامله ( الانسانية ) التي تقوم على العدل والاحسان لأنها تقوم على تقدير غير تقدير القوة والضعف ، أو تقدير
الاستطاعة والاكراه .
وفيه الصفحات التاليه تفصيل لهذا الايجاز ، مداره على جلاء وجوه المطابقة التامة يين أحكام الكتاب الكريم وأحكام الواقع والمنطق والمصالح الانسانية .
تعرضت من أكثر من عام ، لقصة غواية آدم فى الجنة ، التى اعتاد الناس نسبتها إلى حواء ، وأنها وحدها هى التى استمعت إلى الشيطان ، وأنها التى أغوت آدم أن يأكلا من الشجرة التى نهاهما الله أن يقرباه .
فورد بسورة البقرة﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ ( البقرة الآيتان 35 ، 36 ) ـ ونصها واضح فى أنه قد أزلهما الشيطان وأن الزلل كان قسيمًا مشتركًا بينهما .
وإن ما كتبه الأستاذ العقاد عن هذه القصة فى كتابه « هذه الشجرة » الذى صدر سنة 1945 قبل أربع عشرة سنة من كتاب « المرأة فى القرآن » فوجدت أنه لم يورد من القرآن ، إلاَّ ما ورد بسورتى البقرة والأعراف ، وفاته فيما يبدو ما ورد بسورة طه . واستطرد من رواية سفر التكوين ، دون فحص كاف آنذاك ، إلى تحليل ما جُبِلَتْ عليه طبيعة حواء من « غواية » ، ومع أنه لم يبن تحليله على رواية العهد القديم ، ولكن على التحليل البيولوجى النفسى ، إلاَّ أنه يحسب للأستاذ العقاد أنه بدقته وحرصه وأمانته ، قد عاد إلى استكمال هذا النقص فى كتابه
« المرأة فى القرآن » (1959) ، فأضاف ما ورد بسورة طه إلى سورتى البقرة والأعراف ، وأكد أنه ليس فى السور الثلاث إشارة إلى ابتداء حواء بالإغراء ، وأضاف أن « مروية » العهد القديم تسللت ضمن الإسرائيليات إلى كتابات بعض الأقدمين.
لقد عرض القرآن الكثير من شؤون المرأة في أكثر من عشر سور منها سورتان عرفت إحداهما بسورة النساء الكبرى وهي سورة النساء , والأخرى عرفت بسورة النساء الصغرى وهي سورة الطلاق . وعرض لهما في سوره البقرة والمائدة والنور والأحزاب والمجادلة والممتحنة والتحريم.
وقد دلت هذه العناية على المكانة التي ينبغي أن توضع فيها المرأة في نظر الإسلام وأنها مكانة لم تحظ المرأة بها لا في شرع سماوي سابق ولا في قوانين بشرية تواضع عليها الناس فيما بينهم . وعلى الرغم من هذا فقد كثر كلام الناس حول وضع المرأة في الإسلام وزعموا أن الإسلام اهتضم حقها واسقط منزلتها وجعلها متاعاً في يد الرجل يزعمون هذا والله تعالى هو الذي يقول في القرآن : ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
وإذا كانت المرأة مسؤولة مسؤولية خاصة فيما يختص بعبادتها فهي في نظر الإسلام أيضاً مسؤولة مسؤولية عامة فيما يختص بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والإرشاد إلى الفضائل والتحذير من الرذائل . وقد صرح القرآن بمسؤوليتها في ذلك الجانب وقرن بينها وبين أخيها الرجل في تلك المسؤولية فقال تعالى : ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ .
ولم يقف الإسلام عند حد اشتراكها مع أخيها الرجل في المسؤوليات بل رفع من شأنها وقرر احترام رأيها شأنها في ذلك شأن الرجل وإذا كان الإسلام جاء باختيار بعض آراء الرجال فقد جاء باختيار رأي بعض النساء .
فانظر كيف رفع الله شأن المرأة وكيف احترم رأيها وجعلها مجادلة ومحاورة للرسول صلى الله عليه وسلم وجمعها وإياه في خطاب واحد ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ﴾. وكيف قرر رأيها وجعله تشريعاً عاماً خالداً لنعلم أن آيات الظهار وأحكامه في القرآن الكريم وأن سورة المجادلة لم تكن إلا أثراً من آثار الفكر النسائي.
القرآن الكريم جعل للمرأة كل تكريم , فعاشت ماضيها البعيد محرومة من كرامتها، وفي ظل الإسلام وجدت رعاية التكريم وعناية التعظيم، وجدت قضيتها حكم فيها خالقها ولا حكم بعده، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾.
وأمّا ما يرجع إلى الأُمور النفسية والروحية عند المرأة والرجل فنقول: لا شكّ ثمة فارق واضح وجلي بين الرجل والمرأة من هذه الزاوية وهي انّ المرأة جيّاشة العاطفة ملؤها الحنان والعطف واللطافة ولها روح ظريفة حساسة .
و من خلال النظر إلى الأُسرة الإسلامية، فمسؤولية المرأة القيام بالحضانة وتربية الأطفال وليس هذا أمراً سهلاً، لا تقوم به إلاّ الأُمّ التي ينبض قلبها بالعطوفة والحنان , ومن زعم انّ دور الحضانة تحل محلّ الأُمّ في القيام بتلك الوظائف فقد أخطأ ولم يقف على المضاعفات السلبية التي تتركها تلك الدورعلى حالات الأطفال النفسية .
إنّ الغرب يتبنّى موقف المساواة بين الرجل والمرأة، ويريد منهما أن ينزلا إلى معترك الحياة بلا استثناء لكي يقوما بعامة الوظائف جنباً إلى جنب سواء أكانت منسجمة مع طبيعة كلّ منهما أو لا.
هذا هو الذي يتبناه الغرب، فالمرأة لابدّ لها أن تشارك الرجل في ميادين الحرب والقتال والسياسية والزعامة وميادين العمل والاستثمار ولا يترك ميداناً خاصاً للمرأة أو الرجل إلاّيسوقهما إليه بدعوى المساواة.
ولكن القرآن يتبنّى العدالة بين الرجل والمرأة ويخالف المساواة ، إذ ربما تكون المساواة ضدّ العدالة ، وربما لا تنسجم مع طبيعتها ، ومن يدّعي المساواة ، فكأنّه ينكر الفوارق الموجودة في نفسياتهما وغرائزهما ، ويتعامل معهما معاملة إنسان اُستلبت عنه الغرائز الفطرية ولم يبق فيه رمق إلاّ القيام بالأعمال المخوّلة له.
وهذا موضوع هام يحتاج إلى التشريح والتبيين حتى يتضح من خلاله موقف القرآن , وإنّ التساوي في الإنسانية لا تعني التساوي في جميع الجهات،وفي القدرات والغرائز والنفسيات، حتى يتجلّـى الجنسان، جنساً واحداً لا يختلفان إلاّ شكليّاً، ومن يقول ذلك فإنّما يقول في لسانه وينكره عقله ولبّه.
لا شكّ انّ بين الجنسين فوارق ذاتيّة وعرضية، فالاُولى نابعة من خلقتها، والثانية تلازم وجودها حسب ظروفها وبيئتها، وبالتالي صارت تلك الفوارق مبدأً للاختلاف في المسؤوليات والأحكام .
وقد يكون ظاهر كتاب « المرأة فى القرآن » لمن يتعجل أو لا يتعمق , أنه ليس مناصرة للمرأة وتحريرها أو الدفاع عنها , إلاَّ أن هذه النظرة المتعجلة أو الظاهرية سرعان ما تنحسر لدى استكمال القراءة والتأمل , ليتضح أن الكتاب التزم أولاً بالتعبير عن موقف القرآن الحكيم من المرأة , لا عن رؤية شخصية , وأنه ينحل فى النهاية إلى دفاع عن المرأة فى أجمل وأقوى صورة .
فقيمة الكتاب الأهم فى نظرى , أنه يرفع عن الإسلام شبهة أنه عائق يحول دون حقوق المرأة , أو أنه يضعها فى منزلةٍ دنيا أو أدنى من الرجل , أو ينكر عليها صفاتها ويصادر عليها .
الواقع أن الكتاب دفع بقوة هذه الشبهة , دفعًا يزيح ما وقر فى ذهن بعض المتعصبين ـ أن مكانة المرأة فى الإسلام أدنى من مكانة الرجل , وفتح به الأستاذ العقاد أبواب النظر والتأمل للوصول إلى الرأى الصحيح , وهو ينصف المرأة فى نهاية المطاف .
ففى هذا الكتاب قد أدار الأستاذ العقاد هذا الكتاب على أربعه عشر فصلاً .. تناول فى أولها معنى وحدود ولماذا كان للرجال على النساء درجه , وجعل الثانى للحديث عن الأخلاق التى فطرت عليها حواء , ثم تحدث عن قصه الشجره المحرمه , ثم عن الاخلاق الاجتماعيه , فمكانه المرأه , وخصص الفصل السادس لمسأله الحجاب , والسابع لحقوق المرأه , والثامن للزواج , والتاسع لزواج النبى , وقد دعانى تناوله فى عبقريه محمد , إلى الإكتفاء به وبما أورده فى كتاب حقائق الاسلام و أباطيل خصومه , وجعل الفصل العاشر هنا للطلاق , والحادى عشر للسرارى والاماء , والثانى عشر للمعامله التى يجب ان تبذله للمرأه , ثم تحدث فى الفصل الثالث عشر عن مشكلات البيت , قبل أن يختم فى الفصل الرابع عشر بالحديث عن القرأن والزمن .
والحقوق والواجبات التى قررها الإسلام للمرأة ـ قد أصلحت أخطاء العصور الغابرة فى كل أمة من أمم الحضارات القديمة , وأكسبها الإسلام منزلة لم تكسبها المرأة قط من حضارة سابقة .
أما المعاملة التى حمدها القرآن وندب لها المؤمنين والمؤمنات , فهى المعامله الانسانيه التى تقدم على العدل والإحسان .
وبدأ العقاد التحدث فى فصل الرجال عليهن درجه (1) فقال :
إن المراه فى القرآن الكريم , أحد الجنسين : الذكر و الأنثى , من نوع الانسان وهما جنس الرجال وجنس النساء .
والجنسان سواء , ولكن للرجال على النساء درجه :
قال تعالى : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ، وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ﴾ (سوره البقره).
وقال عز وجل : ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ (سوره النساء) .
والقوامه هنا مستحقه بتفضيل الفطره , ثم بما فرض على الرجل من واجب الانفاق على المرأه , وهو واجب مرجعه الى واجب الافضل لمن هو دونه فضلا . وليس مرجعه الى مجرد انفاق المال , والا لأمتنع الفضل اذا ملكت المرأه ما لا يغنيها عن نفقه الرجل أو يمكنها من الانفاق عليه .
وحكم القرآن الكريم بتفضيل الرجل على المرأه هو الحكم البين من تاريخ بنى آدم , منذ كانول قبل نشوء الحضارات والشرائع العامه وبعد نشوئها .
ففى كل أمه و فى كل عصر , تختلف المرأه والرجل فى الكفايه والقدره على جملع الاعمال الانسانيه , ومنها أعمال قامت بها المرأه طويلاً , أو انفردت بها دون الرجال .
ومن قصور الفكر عند الداعيين الى قيام المرأه بجميع اعمال الرجل فى الحياه العامه والخاصه ,أن يقال : ان المرأه إنما تخلفت فى الكفايه والقدره بعمل الرجل ونتيجه لأثرته واستبداده وتسخيره للمرأه فى حدمه مطالبه واهوائه .
فإن هذا القول يثبت رجحان الرجل ولا ينفيه , فما كان للرجال جمله أن يسخروا النساء جمله فى جميع العصور , وجميع الأمم لولا رجحاتهم عليهن , وزيادتهم بالمويه التى يستطاع بها التسخير , ولو كانت مزيه القوه البدنيه دون غيرها .
ومما يلاحظ أن أكثر القائلين بدعوه المرأه الى القيام بعمل الرجل جماعه الماديين الذين يردون كل قوه فى الانسان الى قوه البنيه الماديه , فإذا قيل أن قوه الجسد هى مزيه الرجل على المرأه , فليست هناك قوة اخري تحسب فى باب المفاضله بين الجنسين .
وفضل الرجال على النساء ظاهر فى الاعمال التى انفردت بها المرأه , وكان نصيبها منها أو فى وأقدم من نصيب الرجال .
وليس هو بالفضل المقصور على الأعمال التى يمكن أن يقال انها قد حجت عنها , وحيل بينها وبين المرأنه عليها , ومنها الطهى والتطريز والزينه وبكاء الموتى وملكه اللهو والفكاهه التى اقترنت فيها السخريه بالتسخير , عند كثير من المضطهدين افراداً وجماعات .
ومن قصور الفكر أن يقال إن المرأة إنما تخلفت فى الكفاية والقدرة بفعل الرجل ونتيجة لأثرته واستبداده وتسخيره . بل إن هذا القول على تصوره ـ يثبت رجحان الرجل ولا ينفيه
وكعادة الأستاذ العقاد ـ يتعقب جماعة الماديين الذين يردون كل قوة إلى البنية البدنيه ، بأنهم أكثر القائلين بدعوة المرأة للقيام بعمل الرجل .
إلاَّ أن الواقع أن الكفاية التى تمكن من الغلبة ، لم تمن قط من قبيل القوة الجسدية دون سائر القوى الإنسانية .
ومع الشواهد التى يوردها ، يضيف أن الملحوظ أن فضل الرجال ـ أو الكفاية ـ أمر ظاهر حتى فى الأعمال التى انفردت بها المرأة ، ومنها الطهى والتطريز والزينة وبكاء الموتى وملكة اللهو والفكاهة .
ويمضى الأستاذ العقاد فيستخرج الأدلة حتى من النواح على الموتى ، وملاهى الرقص والغناء وغيرها ، ليثبت أن هذه « الكفاية » ليست رهينة بالقوة الجسدية ، وليست متوقفة على أثرة الرجل واستبداده ، وإنما هى قد ظهرت فى الميادين الأصيلة للنشاط حواء .
ولا بأس بعد هذا التقرير ، من الإشارة إلى أن الاختلافات الجسدية التى لها صلة باختلاف الاستعداد بين الجنسين ، ترينا أن بنية المرأة يعتريها الفطن كل شهر ، ويشغلها الحمل تسعة أشهر ، والرضاع لحولين قد تتصل بالحمل الذى يليه .. وأن هذه العـوارض أو الفـروق لها أثرهـا ولا شـك فى « الكفاية » بمعناها العام ، بل هو كـان لشرح معنى « الدرجة » التى تميز الرجل عن المرأة فى حكم القرآن الحكيم .
وإنتقل بالحديث الى فصل من الأخلاق (2) فقال جاء وصف النساء بالكيد فى ثلاثه مواضع من القرأن الكريم , مرتين على لسان يوسف عليه السلام , ومره على لسان العزيز( فى سوره يوسف ) ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ (يوسف 33) .
﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ (يوسف 28) .
والكيد صفه مذكوره فى مواضيع كثيره فى القرأن , بعضها منسوب الى الانسان و بعضها منسوب الى الشيطان , ومن الرجال الذين نسبت اليهم صالحون مؤمنون , ومنهم كفره فاسدون , بل وردت وصفاً لله سبحانه وتعالى مع المقابله بين الكيد الإلهى وكيد المخلوقات .
وقد جاء وصف الكيد فى ذات سورة يوسف منسوبًا إلى إخوته ، فجاء بالقرآن على لسان يعقوب عليه السلام : ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِين ﴾ (يوسف 5) ,
وجاء منسوبًا بمعنى التدبير إلى الله عز وجل : ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ ﴾ (يوسف 76) .
وكتب عنها فى « مجمع الأحياء » (1916) الذى أفرد فيه مساحة للمرأة لتتحدث فى مناظرة مع الرجل عن قضية علاقات الأزواج بالزوجات وحقوق الإناث . وكتب عنها فى مقالات شتى نشرت فى مجموعات « الفصول » (1922) ، و« مطالعات فى الكتب والحياة » (1924) ، و« مراجعات فى الأداب والفنون » (1926) ، ولم تخل مجموعة من هذه المجموعات من حديث عن المرأة فى جانب من جوانبها أو قضية من قضاياها ، وما كتبه فى مجموعة « المطالعات » عن رأيه ورأى المعرى فى المرأة ( المجلد /1 مدينة العقاد ( ص325 ـ 330) ) ، وكتب عنها العديد من المقالات فى المجلدات الأربعة لليوميات .
وأصدر سنة 1945 كتابة « هذه الشجرة » وتضمن دراسة شامله عن المرأة ، وقد أعيد طبعة عدة مرات ، وأعيد نشره سنة 1968 مع « الإنسان الثانى » ـ بعنوان « هذه الشجرة الإنسان الثانى » ، وكتب فصًلا فى « الفلسفة القرآنية » (1947) عن موقف القرآن الكريم من المرأة ، كما كتب عن « المرأة فى الإسلام » بكتاب « عبقرية محمد » (1940) ،
ونحن نعرف بالإضافة إلى هذه الكتابات التى ترجمت عن اهتمامه بالمرأة ، بعض تجاربه الشخصية معها لم تكن موفقه ، أو تركت لديه ندوبًا كقصته التى طلب من الفنان صلاح طاهر أن يصورها فى لوحة وضعها وراء مخدعه « التورتة » قد تكاثرت عليها حشرات , لتذكره دومًا بأن مثل هذا لا يُبكى عليه .
وقد يحمل هذا على الاعتقاد بأن هذا لابد قد أَثَّر على موقفه من حواء , فهذا رد فعل إنسانى طبيعى .
تدور مسالة المرأه فى جميع العصور على جوانب ثلاثة تنطوي فيها جميع المسائل الفرعية التي تعرض لها فى حياتها الخاصة او حياتها الاجتماعية ٠
وهذه الجوانب الثلاثة الكبرى هى :
1.صفتها الطبيعية ، وتشمل الكلام على قدرتها وكفايتها لخدمة نوعها وقومها .
2.حقوقها وواجباتها فى الأسرها والمجتمع .
3.العاملات التى تقرضها لها الآداب والأخلاق ومعظمها في شئون العرف والسلوك .
وقد بحثنا هذه المسائل جميعا فى رسائل مختلفة ولكننا نتناولها في هذه الرسالة لبيان موضعها من أحكام للقرآن الكبرى وخلاصة ذلك البيان فى هذه المقدمة الوجيزة أن ايات الكتاب قد
فصلت القول فى هذه الجوانب جميعا ، وكانت فى كل جانب منها فصل الخطاب الذي لا معقب عليه الا من قبيل الشرح والاستدلال بالشواهد المتكررة التي تتجدد فى كل زمن على حسب احواله ومدارك أبنائها.
أما المعاملة التي حمدها القران وندب لها المؤمنين والمؤمنات ، فهي المعامله ( الانسانية ) التي تقوم على العدل والاحسان لأنها تقوم على تقدير غير تقدير القوة والضعف ، أو تقدير
الاستطاعة والاكراه .
وفيه الصفحات التاليه تفصيل لهذا الايجاز ، مداره على جلاء وجوه المطابقة التامة يين أحكام الكتاب الكريم وأحكام الواقع والمنطق والمصالح الانسانية .
تعرضت من أكثر من عام ، لقصة غواية آدم فى الجنة ، التى اعتاد الناس نسبتها إلى حواء ، وأنها وحدها هى التى استمعت إلى الشيطان ، وأنها التى أغوت آدم أن يأكلا من الشجرة التى نهاهما الله أن يقرباه .
فورد بسورة البقرة﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ ( البقرة الآيتان 35 ، 36 ) ـ ونصها واضح فى أنه قد أزلهما الشيطان وأن الزلل كان قسيمًا مشتركًا بينهما .
وإن ما كتبه الأستاذ العقاد عن هذه القصة فى كتابه « هذه الشجرة » الذى صدر سنة 1945 قبل أربع عشرة سنة من كتاب « المرأة فى القرآن » فوجدت أنه لم يورد من القرآن ، إلاَّ ما ورد بسورتى البقرة والأعراف ، وفاته فيما يبدو ما ورد بسورة طه . واستطرد من رواية سفر التكوين ، دون فحص كاف آنذاك ، إلى تحليل ما جُبِلَتْ عليه طبيعة حواء من « غواية » ، ومع أنه لم يبن تحليله على رواية العهد القديم ، ولكن على التحليل البيولوجى النفسى ، إلاَّ أنه يحسب للأستاذ العقاد أنه بدقته وحرصه وأمانته ، قد عاد إلى استكمال هذا النقص فى كتابه
« المرأة فى القرآن » (1959) ، فأضاف ما ورد بسورة طه إلى سورتى البقرة والأعراف ، وأكد أنه ليس فى السور الثلاث إشارة إلى ابتداء حواء بالإغراء ، وأضاف أن « مروية » العهد القديم تسللت ضمن الإسرائيليات إلى كتابات بعض الأقدمين.
لقد عرض القرآن الكثير من شؤون المرأة في أكثر من عشر سور منها سورتان عرفت إحداهما بسورة النساء الكبرى وهي سورة النساء , والأخرى عرفت بسورة النساء الصغرى وهي سورة الطلاق . وعرض لهما في سوره البقرة والمائدة والنور والأحزاب والمجادلة والممتحنة والتحريم.
وقد دلت هذه العناية على المكانة التي ينبغي أن توضع فيها المرأة في نظر الإسلام وأنها مكانة لم تحظ المرأة بها لا في شرع سماوي سابق ولا في قوانين بشرية تواضع عليها الناس فيما بينهم . وعلى الرغم من هذا فقد كثر كلام الناس حول وضع المرأة في الإسلام وزعموا أن الإسلام اهتضم حقها واسقط منزلتها وجعلها متاعاً في يد الرجل يزعمون هذا والله تعالى هو الذي يقول في القرآن : ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
وإذا كانت المرأة مسؤولة مسؤولية خاصة فيما يختص بعبادتها فهي في نظر الإسلام أيضاً مسؤولة مسؤولية عامة فيما يختص بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والإرشاد إلى الفضائل والتحذير من الرذائل . وقد صرح القرآن بمسؤوليتها في ذلك الجانب وقرن بينها وبين أخيها الرجل في تلك المسؤولية فقال تعالى : ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ .
ولم يقف الإسلام عند حد اشتراكها مع أخيها الرجل في المسؤوليات بل رفع من شأنها وقرر احترام رأيها شأنها في ذلك شأن الرجل وإذا كان الإسلام جاء باختيار بعض آراء الرجال فقد جاء باختيار رأي بعض النساء .
فانظر كيف رفع الله شأن المرأة وكيف احترم رأيها وجعلها مجادلة ومحاورة للرسول صلى الله عليه وسلم وجمعها وإياه في خطاب واحد ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ﴾. وكيف قرر رأيها وجعله تشريعاً عاماً خالداً لنعلم أن آيات الظهار وأحكامه في القرآن الكريم وأن سورة المجادلة لم تكن إلا أثراً من آثار الفكر النسائي.
القرآن الكريم جعل للمرأة كل تكريم , فعاشت ماضيها البعيد محرومة من كرامتها، وفي ظل الإسلام وجدت رعاية التكريم وعناية التعظيم، وجدت قضيتها حكم فيها خالقها ولا حكم بعده، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾.
وأمّا ما يرجع إلى الأُمور النفسية والروحية عند المرأة والرجل فنقول: لا شكّ ثمة فارق واضح وجلي بين الرجل والمرأة من هذه الزاوية وهي انّ المرأة جيّاشة العاطفة ملؤها الحنان والعطف واللطافة ولها روح ظريفة حساسة .
و من خلال النظر إلى الأُسرة الإسلامية، فمسؤولية المرأة القيام بالحضانة وتربية الأطفال وليس هذا أمراً سهلاً، لا تقوم به إلاّ الأُمّ التي ينبض قلبها بالعطوفة والحنان , ومن زعم انّ دور الحضانة تحل محلّ الأُمّ في القيام بتلك الوظائف فقد أخطأ ولم يقف على المضاعفات السلبية التي تتركها تلك الدورعلى حالات الأطفال النفسية .
إنّ الغرب يتبنّى موقف المساواة بين الرجل والمرأة، ويريد منهما أن ينزلا إلى معترك الحياة بلا استثناء لكي يقوما بعامة الوظائف جنباً إلى جنب سواء أكانت منسجمة مع طبيعة كلّ منهما أو لا.
هذا هو الذي يتبناه الغرب، فالمرأة لابدّ لها أن تشارك الرجل في ميادين الحرب والقتال والسياسية والزعامة وميادين العمل والاستثمار ولا يترك ميداناً خاصاً للمرأة أو الرجل إلاّيسوقهما إليه بدعوى المساواة.
ولكن القرآن يتبنّى العدالة بين الرجل والمرأة ويخالف المساواة ، إذ ربما تكون المساواة ضدّ العدالة ، وربما لا تنسجم مع طبيعتها ، ومن يدّعي المساواة ، فكأنّه ينكر الفوارق الموجودة في نفسياتهما وغرائزهما ، ويتعامل معهما معاملة إنسان اُستلبت عنه الغرائز الفطرية ولم يبق فيه رمق إلاّ القيام بالأعمال المخوّلة له.
وهذا موضوع هام يحتاج إلى التشريح والتبيين حتى يتضح من خلاله موقف القرآن , وإنّ التساوي في الإنسانية لا تعني التساوي في جميع الجهات،وفي القدرات والغرائز والنفسيات، حتى يتجلّـى الجنسان، جنساً واحداً لا يختلفان إلاّ شكليّاً، ومن يقول ذلك فإنّما يقول في لسانه وينكره عقله ولبّه.
لا شكّ انّ بين الجنسين فوارق ذاتيّة وعرضية، فالاُولى نابعة من خلقتها، والثانية تلازم وجودها حسب ظروفها وبيئتها، وبالتالي صارت تلك الفوارق مبدأً للاختلاف في المسؤوليات والأحكام .
وقد يكون ظاهر كتاب « المرأة فى القرآن » لمن يتعجل أو لا يتعمق , أنه ليس مناصرة للمرأة وتحريرها أو الدفاع عنها , إلاَّ أن هذه النظرة المتعجلة أو الظاهرية سرعان ما تنحسر لدى استكمال القراءة والتأمل , ليتضح أن الكتاب التزم أولاً بالتعبير عن موقف القرآن الحكيم من المرأة , لا عن رؤية شخصية , وأنه ينحل فى النهاية إلى دفاع عن المرأة فى أجمل وأقوى صورة .
فقيمة الكتاب الأهم فى نظرى , أنه يرفع عن الإسلام شبهة أنه عائق يحول دون حقوق المرأة , أو أنه يضعها فى منزلةٍ دنيا أو أدنى من الرجل , أو ينكر عليها صفاتها ويصادر عليها .
الواقع أن الكتاب دفع بقوة هذه الشبهة , دفعًا يزيح ما وقر فى ذهن بعض المتعصبين ـ أن مكانة المرأة فى الإسلام أدنى من مكانة الرجل , وفتح به الأستاذ العقاد أبواب النظر والتأمل للوصول إلى الرأى الصحيح , وهو ينصف المرأة فى نهاية المطاف .
ففى هذا الكتاب قد أدار الأستاذ العقاد هذا الكتاب على أربعه عشر فصلاً .. تناول فى أولها معنى وحدود ولماذا كان للرجال على النساء درجه , وجعل الثانى للحديث عن الأخلاق التى فطرت عليها حواء , ثم تحدث عن قصه الشجره المحرمه , ثم عن الاخلاق الاجتماعيه , فمكانه المرأه , وخصص الفصل السادس لمسأله الحجاب , والسابع لحقوق المرأه , والثامن للزواج , والتاسع لزواج النبى , وقد دعانى تناوله فى عبقريه محمد , إلى الإكتفاء به وبما أورده فى كتاب حقائق الاسلام و أباطيل خصومه , وجعل الفصل العاشر هنا للطلاق , والحادى عشر للسرارى والاماء , والثانى عشر للمعامله التى يجب ان تبذله للمرأه , ثم تحدث فى الفصل الثالث عشر عن مشكلات البيت , قبل أن يختم فى الفصل الرابع عشر بالحديث عن القرأن والزمن .
والحقوق والواجبات التى قررها الإسلام للمرأة ـ قد أصلحت أخطاء العصور الغابرة فى كل أمة من أمم الحضارات القديمة , وأكسبها الإسلام منزلة لم تكسبها المرأة قط من حضارة سابقة .
أما المعاملة التى حمدها القرآن وندب لها المؤمنين والمؤمنات , فهى المعامله الانسانيه التى تقدم على العدل والإحسان .
وبدأ العقاد التحدث فى فصل الرجال عليهن درجه (1) فقال :
إن المراه فى القرآن الكريم , أحد الجنسين : الذكر و الأنثى , من نوع الانسان وهما جنس الرجال وجنس النساء .
والجنسان سواء , ولكن للرجال على النساء درجه :
قال تعالى : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ، وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ﴾ (سوره البقره).
وقال عز وجل : ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ (سوره النساء) .
والقوامه هنا مستحقه بتفضيل الفطره , ثم بما فرض على الرجل من واجب الانفاق على المرأه , وهو واجب مرجعه الى واجب الافضل لمن هو دونه فضلا . وليس مرجعه الى مجرد انفاق المال , والا لأمتنع الفضل اذا ملكت المرأه ما لا يغنيها عن نفقه الرجل أو يمكنها من الانفاق عليه .
وحكم القرآن الكريم بتفضيل الرجل على المرأه هو الحكم البين من تاريخ بنى آدم , منذ كانول قبل نشوء الحضارات والشرائع العامه وبعد نشوئها .
ففى كل أمه و فى كل عصر , تختلف المرأه والرجل فى الكفايه والقدره على جملع الاعمال الانسانيه , ومنها أعمال قامت بها المرأه طويلاً , أو انفردت بها دون الرجال .
ومن قصور الفكر عند الداعيين الى قيام المرأه بجميع اعمال الرجل فى الحياه العامه والخاصه ,أن يقال : ان المرأه إنما تخلفت فى الكفايه والقدره بعمل الرجل ونتيجه لأثرته واستبداده وتسخيره للمرأه فى حدمه مطالبه واهوائه .
فإن هذا القول يثبت رجحان الرجل ولا ينفيه , فما كان للرجال جمله أن يسخروا النساء جمله فى جميع العصور , وجميع الأمم لولا رجحاتهم عليهن , وزيادتهم بالمويه التى يستطاع بها التسخير , ولو كانت مزيه القوه البدنيه دون غيرها .
ومما يلاحظ أن أكثر القائلين بدعوه المرأه الى القيام بعمل الرجل جماعه الماديين الذين يردون كل قوه فى الانسان الى قوه البنيه الماديه , فإذا قيل أن قوه الجسد هى مزيه الرجل على المرأه , فليست هناك قوة اخري تحسب فى باب المفاضله بين الجنسين .
وفضل الرجال على النساء ظاهر فى الاعمال التى انفردت بها المرأه , وكان نصيبها منها أو فى وأقدم من نصيب الرجال .
وليس هو بالفضل المقصور على الأعمال التى يمكن أن يقال انها قد حجت عنها , وحيل بينها وبين المرأنه عليها , ومنها الطهى والتطريز والزينه وبكاء الموتى وملكه اللهو والفكاهه التى اقترنت فيها السخريه بالتسخير , عند كثير من المضطهدين افراداً وجماعات .
ومن قصور الفكر أن يقال إن المرأة إنما تخلفت فى الكفاية والقدرة بفعل الرجل ونتيجة لأثرته واستبداده وتسخيره . بل إن هذا القول على تصوره ـ يثبت رجحان الرجل ولا ينفيه
وكعادة الأستاذ العقاد ـ يتعقب جماعة الماديين الذين يردون كل قوة إلى البنية البدنيه ، بأنهم أكثر القائلين بدعوة المرأة للقيام بعمل الرجل .
إلاَّ أن الواقع أن الكفاية التى تمكن من الغلبة ، لم تمن قط من قبيل القوة الجسدية دون سائر القوى الإنسانية .
ومع الشواهد التى يوردها ، يضيف أن الملحوظ أن فضل الرجال ـ أو الكفاية ـ أمر ظاهر حتى فى الأعمال التى انفردت بها المرأة ، ومنها الطهى والتطريز والزينة وبكاء الموتى وملكة اللهو والفكاهة .
ويمضى الأستاذ العقاد فيستخرج الأدلة حتى من النواح على الموتى ، وملاهى الرقص والغناء وغيرها ، ليثبت أن هذه « الكفاية » ليست رهينة بالقوة الجسدية ، وليست متوقفة على أثرة الرجل واستبداده ، وإنما هى قد ظهرت فى الميادين الأصيلة للنشاط حواء .
ولا بأس بعد هذا التقرير ، من الإشارة إلى أن الاختلافات الجسدية التى لها صلة باختلاف الاستعداد بين الجنسين ، ترينا أن بنية المرأة يعتريها الفطن كل شهر ، ويشغلها الحمل تسعة أشهر ، والرضاع لحولين قد تتصل بالحمل الذى يليه .. وأن هذه العـوارض أو الفـروق لها أثرهـا ولا شـك فى « الكفاية » بمعناها العام ، بل هو كـان لشرح معنى « الدرجة » التى تميز الرجل عن المرأة فى حكم القرآن الحكيم .
وإنتقل بالحديث الى فصل من الأخلاق (2) فقال جاء وصف النساء بالكيد فى ثلاثه مواضع من القرأن الكريم , مرتين على لسان يوسف عليه السلام , ومره على لسان العزيز( فى سوره يوسف ) ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ (يوسف 33) .
﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ (يوسف 28) .
والكيد صفه مذكوره فى مواضيع كثيره فى القرأن , بعضها منسوب الى الانسان و بعضها منسوب الى الشيطان , ومن الرجال الذين نسبت اليهم صالحون مؤمنون , ومنهم كفره فاسدون , بل وردت وصفاً لله سبحانه وتعالى مع المقابله بين الكيد الإلهى وكيد المخلوقات .
وقد جاء وصف الكيد فى ذات سورة يوسف منسوبًا إلى إخوته ، فجاء بالقرآن على لسان يعقوب عليه السلام : ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِين ﴾ (يوسف 5) ,
وجاء منسوبًا بمعنى التدبير إلى الله عز وجل : ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ ﴾ (يوسف 76) .

تعليقات
إرسال تعليق