المكحل / السعيد عبد العاطي مبارك

 تغريدة الشعر العربي

السعيد عبد العاطي مبارك - الفايد "مصر "
*************
(((المكحل )))
الشاعر المخضرم عمرو بن الأهتم ٠
" لعمــرُكَ ما ضاقـت بـلادٌ بأهلهــا *
ولكـــنَّ أخـلاقَ الرجــال تضيــقُ "
_____
نتوقف مع الشعراء المخضرمين ممن عاشوا في العصر الجاهلي ، و أدركوا الإسلام، فقضوا حياتهم بين عصرين مختلفين ، و تأثروا بسيمات كل عصر و يظهر كل هذا في شعرهم ، و ما أكثرهم في ديوان العرب حتى في عصر العصر الأموي و العباسي هكذا ٠٠
و شاعرنا عمرو من هؤلاء بل له منقبة حيث قابل النبي صلى الله عليه وسلم و سمع منه و أعجب له ، فكفى أن يقول بسببه هذه الكلمات ٠٠
( إنَّ من الشعر حكماً، وإن من البيان سحراً ) .
* نبذة عنه :
--------------
هو عمرو بن الأهتم، المنقري السعدي ٠
شاعر صحابي قابل النبي صلى الله عليه و سلم ، يلقب بالمكحل ٠
وُصف الشاعر أنه كان جميل الخَلق والصورة، ولذا لقب "المُكَحّل" ٠
أما أبوه "الأهتم" فقد لقب بذلك لأن قيس بن عاصم ضرب فمه بقوس فهَتَـم أسنانه- أي كسرها من الأمام.
كان سيِّداً من سادات تميم، وكان خطيباً بليغاً.
و قد عاش عمرو في الجاهلية وأدرك الإسلام فأسلم وهو أحد الصحابة الشعراء المجيدين. وشارك في فتح بلاد فارس وكان في جيش الحكم بن أبي العاص. وتوفي أثناء خلافة معاوية بعد أن كبر وشاخ.
ومما روي عنه :
أنه أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم، فلقي إكراماً وحفاوة بين يدي رسول الله «صلى الله عليه و سلم »، ولما تكلم عمرو أمام النبي أعجبه كلامُهُ، وسأله الرسول الكريم عن الزبرقان بن بدر «الشاعر» فمدحه له ثم هجاه، ولم يكذب في الحالين، وحينئذ قال المصطفى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ:
" إنَّ من الشعر حكماً، وإن من البيان سحراً " .
مع مناسبة هذه القصيدة التي تتكون من ثلاثة و عشرين بيتا ٠٠
و التي تحمل ( أخلاق الرجال و الكرم ) ٠
و التى منها هذا البيت الذي يشع حكمة و مازال مثل سائر في منظومة الأخلاق يتناقله جميع الخطباء في شتى المجالات ٠٠
" لعمــرُكَ ما ضاقـت بـلادٌ بأهلهــا *
ولكـــنَّ أخـلاقَ الرجــال تضيــقُ "
و من ثم قد عارض الشاعر في قصيدته هذه من عذلته في جوده ٠٠ أسماء أم هيثم ، ولعلها حليلته التي كانت تخشى أن يذهب كرم زوجها بكل ما عنده فيفقر أولادها من بعده، وبدل أن يستجيب لندائها، طلب إليها أن تذهب مذهبه، ووصف في قصيدته الضيف الذي يطرقه في الليل في برد الشتاء، وما يلقى من عناء، ثم ما يستقبله هو به من جود وقِرى. ثم نعت عمرو بن الأهتم الجزور وهي وهو ابن البعير بنحره للضيف، وكيف عالجه الجازران. وأخيرا أثنى الشاعر الفحل على الكرم، وباهى بأصله وطيب أرومته. يقول عن حال ضيفه ثم عما قابله به من حسن
خلق ٠٠
و بعد ذلك عارض هذه القصيدة العظيمة كثير من الشعراء بينهم أبوتمام، حيث افرد باباً كاملاً في كتابه الشهير«الحماسة» بعنوان: الأضياف والمديح.
مع القصيدة :
----------------
ألا طَرَقَتْ أَسْماءُ وَهْيَ طَرُوقُ = وبانَتْ على أَنَّ الخَيالَ يَشُوقُ
بِحاجَةِ مَحْزُونٍ كأَنَّ فؤادَهُ = جَناحٌ وَهَى عَظْماهُ فَهْوَ خَفُوقُ
وهانَ على أَسماءَ أَنْ شَطَّتِ النَّوَى = يَحِنُّ اليها وَالِهٌ ويَتُوقُ
ذَرينِي فإِنَّ البُخْلَ يَا أُمَّ هَيثْمٍ = لِصَالِحِ أَخلاقِ الرِّجالِ سَرُوقُ
ذَرينِي وحُطِّي في هَوَاى فإِنَّنِي = علي الحَسَبِ الزَّاكِي الرَّفِيعِ شَفِيقُ
وإِنِّي كريمٌ ذُو عِيالٍ تهِمُّنِي = نَوَائِبُ يَغْشَى رُزْؤُها وحُقُوقُ
ومُسْتنْبِحٍ بعدَ الهُدُوءِ دَعْوَتُهُ = وقد حانَ من نَجْم الشِّتاءِ خُفُوقُ
يُعالِجُ عِرْنيناً منَ اللَّيلِ بارداً = تَلُفُّ رِياحٌ ثَوْبَهُ وبُرُوقُ
تَأَلَّقُ في عَيْنٍ منَ المُزْنِ وادِقٍ = لهُ هَيْدَبٌ دَانِي السَّحَابِ دَفُوقُ
أَضَفْتُ فلم أُفْحِشْ عليهِ ولم أَقُلْ = لأَِحْرِمَهُ: إِنَّ المكانَ مَضِيقُ
فَقلْتُ لهُ: أَهلاً وسهلاً ومَرحباً = فهذا صَبُوحٌ راهِنٌ وصَدِيقُ
وقُمتُ إِلى البَرْكِ الهَواجِدِ فاتَّقَتْ = مَقاحِيدُ كُومٌ كالمَجَادِلِ رُوقُ
بأَدْماءَ مِرْباعِ النِّتاجِ كأَنَّها = إِذَا عَرَضَتْ دُونَ العِشارِ فَنِيقِ
بِضَرْبةِ ساقٍ أَو بِنَجْلاَءَ ثَرَّةٍ = لهَا مِن أَمامِ المَنْكَبَيْنِ فَتِيقُ
وقامَ إِليها الجَازِرَانِ فأَوْفَدَا = يُطِيرَانِ عَنها الجِلْدَ وَهْيَ تَفْوقُ
فَجُرَّ إِلينا ضَرْعُها وسَنَامُها = وأَزْهَرُ يَحْبُو لِلقيامِ عَتِيقُ
بَقِيرٌ جَلاَ بالسَّيفِ عنهُ غِشَاءَهُ = أَخٌ بإِخاءِ الصَّالِحِينَ رَفيقُ
فَباتَ لَنَا منها وللِضَّيْفِ مَوْهِنا = شِوَاءٌ سَمِينٌ زَاهِقٌ وغَبوقُ
وبَاتَ لهُ دُونَ الصَّبَا وهْيَ قَرَّةٌ = لِحَافٌ ومَصْقُولُ الكِسَاءِ رَقِيقُ
وكلُّ كَرِيم يَتَّقِي الذَّمَّ بالقِرَى = ولِلخَيْرِ بينَ الصّالحينَ طَريقُ
لَعَمْرُكَ ما ضاقَتْ بِلاَدٌ بأَهْلِهَا = ولكنَّ أَخلاقَ الرِّجالِ تَضيقُ
نَمَتْنِي عُرُوقٌ من زُرَارَةَ لِلْعُلَى = ومنْ فَدَكِيٍّ والأَشَدِّ عُرُوقُ
مكارِمُ يَجْعَلْنَ الفَتَى في أَرومَةٍ = يَفَاعٍ، وبعضُ الوالِدِينَ دَقِيقُ ٠
------
هذه كانت إطلالة على عالم شاعر صحابي عمرو بن الأهتم الملقب بالمكحل ، من سادات تميم ، وفد على النبي الكريم صلى الله عليه و سلم و أعجب بكلامه ورأيه ٠٠
و أرى أنه قد جمع بين مفاخر الجاهلية و الإسلام في تواصل محمود ، و شعره قوي و رصين المفردات و المعاني و الصور الفنية ، بل له دلالة في توظيف الحكمة و معالجة القضايا الاجتماعية من منظور أخلاقي اتسم به عرب الجزيرة ٠٠
و يظل شعره نقطة مضيئة في ديوان العرب الخالد دائما ٠
مع الوعد بلقاء متجدد أن شاء الله ٠



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

*تونس يا بلادي... سميربن التبريزي الحفصاوي

نفحةٌ قلب بقلمي السيد حسن عبدربه

التيمم بالتُراب الطاهر عند فقد الماء_ بقلم . د / عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات