كامل الوزير بين الصعايدة والفلاحين بقلم : عبدالرحيم حشمت عسيري

 كامل الوزير بين الصعايدة والفلاحين

بقلم : عبدالرحيم حشمت عسيري . المحامي




لم تصل الدول المتقدمة إلى ما وصلت إليه بالصدفة .. بل نتيجة لعدد من العوامل المهمة .. أهمها العمل طبقا لخطط تنموية مدروسة بعناية شديدة تستهدف بالدرجة الأولى حماية مقدرات الدولة .. واستثمار مواردها .. ورعاية مصالح مواطنيها .. وتلبية احتياجاتهم الحياتية .. وتحسين أحوالهم المعيشية .. تحت مظلة المواطنة دون تمييز بينهم بسبب اللون ، أو العرق ، أو الدين ، أو اللغة ...... ومن العوامل المهمة أيضا التي ساهمت في نهوض تلك الدول التزامها بضوابط إدارية محددة .. يؤدي بمقتضاها المسئول – أي كان موقعه في السلطة – العمل الملقى على عاتقه بصفته موظفا عاما يخضع لرقابة برلمانية صارمة من مجالس نيابية منتخبة .. لا مكان فيها للمنافقين ، ولا البلطجية ، ولا تجار الدين ، ولا الحرامية .. وبطبيعة الحال لن تكون المجالس النيابية خالية من هذه النماذج العفنة إلا إذا جاءت عن طريق انتخابات حرة نزيهة .. لا استغلال فيها للدين .. ولا شراء لأصوات الناخبين .. ولا توزيع للكراتين .. ولا وجود فيها للورقة الانتخابية الدوارة .. ولا تزوير فيها .. ولا بلطجة .. ولا وعود انتخابية كذابة .

أما في الدول المتخلفة – أو الدول النامية كما يفضل البعض أن يطلق عليها – فحدث ولا حرج ... حيث أن العشوائية هي السمة الغالبة في إدارة شئونها العامة ..... وكيف لا تكون العشوائية السمة الغالبة في إدارة شئون مثل هذه الدول التي لا تهتم بالحقوق المكتسبة ، ولا تقيم وزنا للمطالب الضرورية المشروعة .. ولذلك يتحول المسئول في هذه الدول البائسة من خادم لشعبه إلى حاكم بأمره .. يصدر قراراته بانتقائية شديدة .. فهو يقرر ما يشاء لمن يشاء وقتما يشاء .. لا رقيب عليه ، ولا حسيب .. حيث لا خطط تنموية تحدد مساره ، ولا قوانين توقف تجاوزه ، ولا مجالس نيابية تراقب أعماله .. وإذا لم يكن الأمر كذلك في مصر .. فمن الذي أعطى الحق لوزير النقل في أن يصدر قرارا منفردا يمس حياة أبناء الصعيد الذين يمثلون 50 % من التعداد الكلي لهذا الشعب الأبي .. ومع ذلك يبدون لمن يراقب حركة الحياة في المجتمع المصري وكأنهم يمثلون الأغلبية العظمى على كل شبر من أراضي الدولة ... نظرا لتواجدهم المؤثر ، وانتشارهم الواسع ، وحضورهم الطاغي ؟ .

وقبل أن نغوص في التفاصيل يجب علينا أن نعود قليلا إلى بدايات كامل الوزير .... حتى نعرف لماذا أحبه أبناء هذا الشعب العظيم .. بمختلف طبقاته ، وجميع توجهاته ، وشتى طوائفه .... وخصوصا الصعايدة الذين أحبوه كما لم يحبوا وزيرا من قبله .... أحبوه كأحد أبناء المؤسسة العسكرية المشهود لهم بالنزاهة والكفاءة العالية .. أحبوه حينما عرفوا مستوى أدائه ... وشاهدوا بأنفسهم إنجازاته ... أحبوه بعدما تابعوا مراحل صعوده المبكرة .... منذ بداياته الأولى في الهيئة الهندسية .. إحدى الصروح الوطنية الشامخة في القوات المسلحة المصرية الباسلة .. المعروفة بالضبط ، والربط ، والجدية ، والإحساس العالي بالمسئولية .. إلى أن تربع على عرش وزارة النقل وزاد حبهم له عندما قام – منذ اليوم الأول لتوليه المسئولية – بحملة تطهير واسعة ضد الإهمال والتسيب والفساد الذي توغل في هذه الوزارة الخدمية المهمة على مدى الثلاثة عقود الأخيرة .. حالها كحال بقية مؤسسات الدولة المصرية الأخرى .. التي نخر الفساد أعمدتها الرئيسية ، وحول صروحها الوطنية إلى هياكل هشة آيلة للسقوط في أية لحظة .

وهكذا أحب أبناء الشعب المصري – وعلى رأسهم الصعايدة – كامل الوزير بهذه الصورة غير المسبوقة .. بعدما أثبت وجوده في مسيرة التطوير والبناء والتعمير التي تشهدها هذه المرحلة والتي لم يسبق لها مثيل على مدى العهود السابقة ..... وظل الأمر كذلك إلى أن اتخذ قراره المريب بفصل القاهرة عن الصعيد !! .. المتمثل في منع قطارات الصعيد من الوصول إلى محطة رمسيس ... على أن تكون محطة بشتيل هي البديل .. الأمر الذي أصاب الصعايدة بصدمة عنيفة ... وأثار حالة من الغضب العام في جميع محافظات الوجه القبلي ما زالت قائمة حتى الآن .... وهكذا فقد كامل الوزير ما كان يتمتع به من رضى شعبي نتيجة لهذا القرار الغبي .

وهنا أتساءل إذا كان التساؤل ما زال مشروعا فأقول : هل يعلم كامل الوزير أن الصعايدة الذين منع قطاراتهم من دخول محطة العاصمة هم سكان مصر الأصليين وهم أصحاب الأرض الحقيقيين وهم شموع السلام ووقود الحرب منذ آلاف السنين ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير أن الصعايدة هم الذين حرروا الدلتا من احتلال الهكسوس الذي دام أكثر من مائة عام وطردوهم من مصر شر طردة ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة ؟

.. وهل يعلم كامل الوزير أن الصعايدة هم الذين وحدوا القطرين ودمجوا التاجين وبنوا قصر الحكم في النقطة الحدودية الفاصلة بين القطرين في ميت رهينة "البدرشين حاليا" ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير أن الصعايدة هم الذين أرسوا قواعد الدولة وحافظوا على مقدراتها عبر العصور وما زال أحفادهم يسهرون على حماية حدودها ويستشهدون دفاعا عن ترابها ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير أن القطارات بالرغم من حوادثها المأساوية المتكررة تعد المواصلة المفضلة لدى الأغلبية الساحقة المسحوقة من المصريين البسطاء الذين يمثلون السواد الأعظم في الدلتا والصعيد على حد سواء ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير أن الإنجليز الذين اخترعوا "سياسة فرق تسد" لم يفكروا في فصل القاهرة عن الصعيد عندما قاموا بإنشاء السكة الحديد ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير أن الدكتور عبدالرحيم شحاته وزير التنمية المحلية في عصر شيخ منصر مصر المخلوع اقترح تهجير الصعايدة من القاهرة الكبرى وصرح بقوله " لا مساكن ولا مدافن للصعايدة في القاهرة " ثم تراجع فورا واعتذر صاغرا ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير أن هذا القرار المشين يشق الصف ويخلق فجوة كبيرة بين المصريين ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير أن الصعايدة – أبناء الريف تحديدا – على امتداد الوجه القبلي كله ابتداء من محافظة الجيزة شمالا إلى محافظة أسوان جنوبا ومن محافظتي الفيوم والوادي الجديد غربا إلى محافظة البحر الأحمر شرقا لم يكتفوا بعدم المشاركة في أحداث ثورة 25 يناير الشعبية الخالدة فحسب بل قاموا بحماية المنشآت الحيوية – خصوصا في محافظة سوهاج – بأسلحتهم الخاصة الممنوع حملها وترخيصها قانونا أثناء حالة الفوضى التي عمت ربوع الدولة ذلك لإيمانهم العميق بأنهم أصحاب مصر الحقيقيين على الرغم من التوزيع الظالم للثروة والإقصاء والتهميش الذي يمارس ضدهم على يد كل من هب ودب منذ عصر المماليك ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير أن حرية السفر والتنقل في الداخل والخارج من الحقوق المكتسبة للمواطنين بحكم المواطنة والتي كفلتها الدساتير ونصت عليها القوانين المكملة لها على مدى العصور السابقة وحتى عصرنا هذا ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير أن الدساتير والقوانين إنما وضعت بالدرجة الأولى لحماية المواطنين وضمان حقوقهم وليس لمعاقبتهم والتضييق عليهم ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير أن المسئولين إنما جاءوا إلى السلطة لخدمة المواطنين ورعاية مصالحهم وليس لتكدير حياتهم وتنغيص معيشتهم ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير أن كاتب هذه السطور ما هو إلا واحد من ملايين الصعايدة المؤيدين لهذه المرحلة والمدافعين عنها بشراسة ؟ .. وهل يعلم كامل الوزير رأي الرئيس عبدالفتاح السيسي في أبناء الصعيد الذي أدلى به بالصوت والصورة في أحد البرامج التلفزيونية المشهورة أثناء حملته الانتخابية الأولى عندما قال بالنص "الصعايدة أرجل ناس في مصر يمكن الوثوق فيهم والاعتماد عليهم وهم من أكثر الناس كبرياء وكرامة" ؟ .. وبناء على تصريح السيد الرئيس أقول لكامل الوزير على من تعتمد الدولة وأين كبرياء وكرامة الصعايدة بعد قرار منع قطاراتهم من دخول محطة العاصمة ؟ .. لذلك وانطلاقا من هذا المنبر الشعبي أطالب الرئيس عبدالفتاح السيسي بقدر حبنا له وتأييدنا المطلق لسياساته أن يتدخل فورا لإيقاف هذه المهزلة ، كما أطالبه أيضا بأن يقتدي بالزعيم الخالد جمال عبدالناصر الذي كان يؤكد على مساعديه بأهمية القراءة وضرورة الفحص والتمحيص والدراسة واستخلاص العبرة قبل إصدار القرارات المهمة .. ولذلك على كامل الوزير أن يعيد النظر في قراره ، وقبل ذلك وبعده عليه أن يقرأ التاريخ قديمه وحديثه ، وعليه أن يدرس الواقع بإمعان قبل فوات الأوان .. كي لا تُستغل مثل هذه القرارات المستفزة .. من قِبل العملاء والمأجورين والخونة .. الذين يتربصون بمصر في الداخل والخارج ، ويتحينون الفرصة لإثارة الفتنة ، ونشر الفوضى ، وإرباك الدولة ، وتعطيل مسيرة التنمية .
وخلاصة القول إذا كان قرار كامل الوزير الخاص بمحطة بشتيل لا يعد تمييزا عنصريا ضد الصعايدة كما أعلن في تصريحه التلفزيوني الأخير ، وإذا كان الوزير يقيم وزنا لمبدأ المساواة بين المواطنين ويفكر فعلا في إصدار قرار بمنع قطارات الفلاحين من الوصول إلى محطة رمسيس على أن تكون محطة قليوب هي البديل .. وإذا كان الوزير لا يهدف من وراء قرار محطة بشتيل سوى تخفيف الضغط على وسط البلد ... وتقليل حدة الزحمة التي تعاني منها القاهرة .. ويعمل فعلا على حماية مصلحة الدولة .. ويحرص على المحافظة على الوجه الحضاري للقاهرة ، ويبحث فعلا عن مصادر دخل غير تقليدية للدولة ، ويهتم فعلا بتعظيم الفائدة المستهدفة .. فلماذا إذن لم يصدر قرارا واحدا ثلاثي الأبعاد بإنشاء محطتي قليوب وبشتيل وتطوير محطة رمسيس وتحويلها من محطة مفتوحة للعوام إلى محطة خاصة بالكبار ؟ .. لا ينطلق منها أو يتوقف عندها إلا قطار رئاسة الجمهورية .. وما في حكمه من القطارات المخملية التي لا يستقلها إلا كبار الشخصيات السياسية ، ورجال المال والأعمال ، والأفواج السياحية .. نظير رسوم معتبرة شريطة أن تصب هذه الرسوم في خزانة الدولة .. وليس في الصناديق الخاصة التي نعرف جميعا مصادرها ، ولا يعلم مخارجها أحد على وجه الأرض إلا القيادات القائمة عليها .. وفي هذه الحالة فإنني على يقين بأن المصريين جميعا سيقفون صفا واحدا تحية وإجلالا لكامل الوزير .

أما قرار إنشاء محطة بشتيل للصعايدة .. فالانحياز فيه مفضوح للغاية ، والاكتفاء به انتقائية واضحة .. وليس أدل على ذلك من الإصرار على تطبيقه بهذه الصورة .. على الرغم مما نشاهده على مواقع التواصل الاجتماعي من رسائل غاضبة .. وما رموز الصعيد عن هذه المشاهد ببعيد .. وما نلمسه من معارضة مكتومة لدى بعض الرموز المعروفة ربما مراعاة لمصالح خاصة ، أو تحسبا لنتائج مختلفة ، أو تطبيقا لسياسة فقه الموائمة ، أو ربما لهذه الأسباب مجتمعة .. لذلك لا أظن – وأكثر الظن بلا إثم – أن هذا القرار سيمر مرور الكرام .. طالما لا يراعي مصالح الدولة .. ولا يلبي مطالب الصعايدة .








تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

*تونس يا بلادي... سميربن التبريزي الحفصاوي

نفحةٌ قلب بقلمي السيد حسن عبدربه

التيمم بالتُراب الطاهر عند فقد الماء_ بقلم . د / عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات